السيد صادق الموسوي
522
تمام نهج البلاغة
ثم قال عليه السلام : أَلَا إنِهَُّ قَدْ أَدْبَرَ مِنَ الدُّنْيَا مَا كَانَ مُقْبِلًا ، وَأَقْبَلَ مِنْهَا مَا كَانَ مُدْبِراً ، وَأَزْمَعَ التِّرْحَالَ عِبَادُ اللّهِ الأَخْيَارُ ، وَبَاعُوا قَليلًا مِنَ الدُّنْيَا لَا يَبْقى ، بِكَثيرٍ مِنَ الآخِرَةِ لَا يَفْنى . مَا ضَرُّ إِخْوَانِنَا الَّذينَ سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ بِصِفّينَ أَنْ لَا يَكُونُوا الْيَوْمَ أَحْيَاءَ ، يُسيغُونَ الْغُصَصَ ، وَيَشْرَبُونَ الرَّنَقَ . قَدْ ، وَاللّهِ ، لَقُوا اللّهَ فَوَفّاهُمْ أُجُورَهُمْ ، وَأَحَلَّهُمْ دَارَ الأَمْنِ بَعْدَ خَوْفِهِمْ . أَيْنَ إِخْوَانِيَ الَّذينَ رَكِبُوا الطَّريقَ ، وَمَضَوْا عَلَى الْحَقِّ . أَيْنَ عَمّارٌ . وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ . وَأَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ . وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ ، وَأُبْرِدَ بِرُؤُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ . ثم ضرب عليه السلام بيده على لحيته الشريفة الكريمة ، فأطال البكاء ، ثم قال : أوَهِْ عَلى إِخْوَانِيَ الَّذينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فأَحَكْمَوُهُ ، وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فأَقَاَموُهُ ، أَحْيَوُا السُّنَّةَ ، وَأَمَاتُوا الْبِدْعَةَ ، دُعُوا إِلَى الْجِهَادِ فَأَجَابُوا ، وَوَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوا . كَانُوا قَوْماً مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا ، فَكَانُوا فيهَا كَمَنْ لَيْسَ مِنْهَا ، عَمِلُوا فيهَا بِمَا يُبْصِرُونَ ، وَبَادَرُوا فيهَا مَا يَحْذَرُونَ . تَقَلَّبُ أَبْدَانُهُمْ بَيْنَ ظَهْرَانِيِّ أَهْلِ الآخِرَةِ ، وَيَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُعَظِّمُونَ مَوْتَ أَجْسَادِهِمْ وَهُمْ أَشَدُّ إِعْظَاماً لِمَوْتِ قُلُوبِ أَحْيَائِهِمْ . ثم نادى عليه السلام بأعلى صوته : أَلَا حُرٌّ يَدَعُ هذهِِ اللُّمَاظَةَ لأَهْلِهَا . أَلَا ( 1 ) إنِهَُّ لَيْسَ لأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ ، فَلَا تَبيعُوهَا إِلّا بِهَا . الْجِهَادَ ، الْجِهَادَ ، عِبَادَ اللّهِ .
--> ( 1 ) ورد في غرر الحكم للآمدي ج 1 ص 161 .